الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
59
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل
وحول أم المسيح السيدة مريم ( عليه السلام ) نقرأ قوله تعالى : وأمه صديقة ( 1 ) . كما جاء ذكر ( الصديقين ) على مستوى الأنبياء أو من معهم في بعض الآيات القرآنية ، كما في قوله تعالى : ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا ( 2 ) وكما قلنا فإن هذا المصطلح صيغة مبالغة من مادة ( صدق ) تقال للشخص الذي يحيط الصدق كل وجوده ، وينعكس الصدق في أفكاره وأقواله وأعماله وكل حياته ، وهذا يعكس لنا أهمية مقام الصدق . أما ( الشهداء ) فكما قلنا يمكن أن يقصد بهم الشهداء على الأعمال أو بمعنى الشهداء في سبيل الله ، وفي الآية مورد البحث يمكن الجمع بين الرأيين . ومن الطبيعي أن " الشهيد " في الفكر الإسلامي لا ينحصر بالشخص الذي يقتل في ميدان الجهاد ، بالرغم من أنه أوضح مصداق لمفهوم الشهيد ، بل ينطبق على كل الأشخاص الذين يؤمنون بالعقيدة الإلهية ويسيرون في طريق الحق حتى رحيلهم من الدنيا ، وذلك تماشيا مع الروايات الإسلامية فإنها تعد هؤلاء في زمرة الشهداء . جاء في حديث عن الإمام الباقر ( عليه السلام ) أنه قال : " العارف منكم هذا الأمر المنتظر له المحتسب فيه الخير ، كمن جاهد والله مع قائم آل محمد بسيفه . ثم قال : بل والله كمن جاهد مع رسول بسيفه . ثم قال الثالثة : بل والله كمن استشهد مع رسول الله في فسطاطه ، وفيكم آية من كتاب الله ، قلت : وأي آية جعلت فداك ؟ قال : قول الله عز وجل : والذين آمنوا بالله ورسله أولئك هم الصديقون والشهداء عند ربهم . . . ثم قال : " صرتم والله صادقين شهداء عند ربكم " ( 3 ) .
--> 1 - الجاثية ، الآية 75 . 2 - النساء ، الآية 69 . 3 - تفسير مجمع البيان ، ج 9 ، ص 238 .